مجد الدين ابن الأثير
19
النهاية في غريب الحديث والأثر
ومنه حديث علي ( فيلقى بالقضاء منقطعا أبهراه ) أبا * قد تكررت في الحديث ( لا أبا لك ) وهو أكثر ما يذكر في المدح : أي لا كافي لك غير نفسك . وقد يذكر في معرض الذم كما يقال لا أم لك ، وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين ، كقولهم لله درك ، وقد يذكر بمعنى جد في أمرك وشمر ، لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنه ، وقد تحذف اللام فيقال لا أباك بمعناه . وسمع سليمان بن عبد الملك ، رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول : رب العباد ما لنا وما لك * قد كنت تسقينا فما بدا لك أنزل علينا الغيث لا أبا لك فحمله سليمان أحسن محمل فقال : أشهد أن لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد . ( س ) وفي الحديث ( لله أبوك ) إذا أضيف الشئ إلى عظيم شريف اكتسى عظما وشرفا ، كما قيل : بيت الله وناقة الله ، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه ويحمد ، قيل لله أبوك في معرض المدح والتعجب : أي أبوك لله خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك . وفي حديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن شرائع الاسلام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفلح وأبيه إن صدق ) ، هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها وتريد بها التأكيد . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف الرجل بأبيه ، فيحتمل أن يكون هذا القول قبل النهي . ويحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجاري على الألسن ولا يقصد به القسم كاليمين المعفو عنها من قبيل اللغو ، أو أراد به توكيد الكلام لا اليمين ، فإن هذه اللفظة تجري في كلام العرب على ضربين : للتعظيم وهو المراد بالقسم المنهي عنه ، وللتوكيد كقول الشاعر : لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم * لقد كلفتني خطة لا أريدها فهذا توكيد لا قسم ، لأنه لا يقصد أن يحلف بأبي الواشين ، وهو في كلامهم كثير . ( س ) وفي حديث أم عطية ( كانت إذا ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : بأباه ، أصله بأبي هو ، يقال بأبت الصبي إذا قلت له بأبي أنت وأمي ، فلما سكنت الياء قلبت ألفا ، كما قيل في يا ويلتي يا ويلتا ، وفيها ثلاث لغات : بهمزة مفتوحة بين الباءين ، وبقلب الهمزة ياء مفتوحة ،